مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في إفريقيا (تيكاد) 2025

مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في إفريقيا (تيكاد) 2025

عُقدت أعمال الدورة التاسعة لمؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في إفريقيا  (TICAD 9) تحت شعار "التعاون مع أفريقيا في إيجاد حلولٍ مبتكرةٍ"، في الفترة من 20 إلى 22 أغسطس 2025 في مدينة يوكوهاما (Yokohama) اليابانية، بمشاركة قادة وممثلين من 49 دولة أفريقية بالاضافة إلى الأمم المتحدة والبنك الدولي وممثلي الهيئات والمؤسسات الدولية، وذلك بهدف زيادة الاستثمارات اليابانية في القارة. ومن بين المشاركين كان الرئيس النيجيري بولا تينوبو، ورئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، والرئيس الكيني ويليام روتو، بالإضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش.

- النشأة والتأسيس:

تتولى حكومة اليابان قيادة هذا المؤتمر منذ عام ١٩٩٣، ويشارك في استضافته الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي ومفوضية الاتحاد الأفريقي. وتعقد القمة كل ثلاث سنوات لمناقشة قضايا متنوعة منها الحوكمة والحكم الرشيد والتنمية الاقتصادية والأمن.

بدأت فكرة انعقاد قمة تيكاد بمبادرة من دولة اليابان، بعد انتهاء الحرب الباردة ونقص الاهتمام بالقارة الافريقية، لذلك يهدف مؤتمر التيكاد إلى تعزيز الحوار والتعاون بين القادة الأفارقة وشركائهم في التنمية، وحشد التأييد لمبادرات التنمية الإفريقية. وما يميز هذا المؤتمر هو إلتزام الحكومة اليابانية بمتابعة مخرجات كل دورة من دوراته ومدى التنفيذ الفعلي لها وايضا إشراك المؤسسات الأممية والدولية المسئولة عن المساعدات وتقديم الدعم للدول النامية في فاعليات ومبادرات المؤتمر في كل دوراته التي تعقد باشراف الحكومة اليابانية وذلك من أجل استدامة المساعدات والمبادرات التنموية للقارة الافريقية ([1]).

- محاور ومخرجات مؤتمر تيكاد 9:

خلال افتتاح هذه الدورة من المؤتمر، قدّم رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشبا (Shigeru Ishiba) إطارًا للتعاون الاقتصادي يشمل كل من الحكومات والقطاع الخاص والمصنعيين والخبراء معا، بهدف تعزيز التجارة الحرة وربط منطقة المحيط الهندي-الهادئ بالقارة الإفريقية في ظل سياق جيوسياسي عالمي يشهد تغيرات كبيرة وخاصة في افريقيا التي يتراجع فيها النفوذ الأمريكي والاوروبي بينما يزداد التأثير والوجود الصيني بقوة.

كما أعلن رئيس الوزراء الياباني عن التزام بلاده بضخ 30  مليار دولار على مدار ثلاث سنوات في استثمارات متنوعة داخل أفريقيا تشمل "البنية التحتية والزراعة والرعاية الصحية والطاقة المتجددة والتصنيع". وقال "سنناقش كيفية الاستفادة من هذه الموارد البشرية والمادية لافريقيا  كمصدر للنشاط وربطها بنمو اليابان وازدهار العالم."

 ركز المؤتمر على ثلاث محاور اساسية هي بناء مجتمعٍ مستدام، وتعزيز التجارة والاستثمار، وتحقيق السلام والاستقرار، وقد شملت المحاور النقاط التالية:

- دعم التنمية والاقتصاد الافريقي:  

أطلق المؤتمر المبادرة المسماة "المنطقة الاقتصادية إفريقيا–المحيط الهندي"( zone économique Afrique-Océan Indien) والتي تهدف إلى جذب الشركات والاستثمارات اليابانية، لا سيما تلك القائمة في الهند والشرق الأوسط، نحو إفريقيا. وتأمل اليابان من خلال ذلك تعزيز التجارة ودعم النمو المحلي وتعزيز وجودها الاستراتيجي في القارة.

فقد عقد ، قبل مؤتمر القمة رفيع المستوى، مؤتمر الاستثمار وذلك في 19 أغسطس 2025. حيث سيتم العمل على توسيع الاتفاقات الاستثمارية القائمة مع أنجولا و كوت ديفوار و مصر و المغرب و موزمبيق و زامبيا، وسعى المستثمرون اليابانيون إلى ترسيخ وجودهم في القارة بشكل مستدام. كما تعتزم الحكومة اليابانية تعزيز آليات التعاون، خاصة في مجالات الزراعة (زراعة الأرز)، والتحول في مجال الطاقة، وإدارة المخاطر المالية المرتبطة بتعثر السداد.

وتم التأكيد على الحاجة إلى حشد مزيد من التمويلات لدعم التنمية الاقتصادية، واتفقت البلدان المشاركة على تحسين التصنيف الائتماني للدول الإفريقية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ودعم توفير فرص العمل اللائق، خصوصًا للشباب والنساء. كما تم تأكيد الالتزام بدعم المنطقة الحرة للتجارة القارية الإفريقية كعامل  رئيسي لتعزيز التجارة داخل القارة.

ولعل هذا يتوافق مع حاجة الدول الافريقية الملحة إلى خفض ديونها أو إعادة جدولتها لما تشكله من عائق امام التنمية والتطور الافريقي وهذا ما عبر عنه رئيس جنوب إفريقيا  سيريل رامافوزا أثناء كلمته في المؤتمر بأن "أزمة الديون والسيولة في القارة الإفريقية تؤثر على البيئة الاجتماعية والاقتصادية وتحد من قدرة الحكومات على توفير شبكات أمان لمواطنيها."

كما دعا إعلان يوكوهاما إلى زيادة الاستثمارات في البنى التحتية، والاقتصاد الأزرق، مع التأكيد على أهمية تسريع التحول الرقمي والبيئي.

- الأمن الغذائي والزراعة:

تعهد القادة اليابانيون بدعم مبادرات الزراعة الذكية، وتطوير مراكز ابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات التكنولوجية للقارة. وذلك ايمانا بأهمية التعليم الجيد المرتبط ببيئة العمل في افريقيا، والتي تشكل الزراعة فيها المصدر الرئيسي للدخل والعمل للغالبية العظمى من السكان مما يدعم ايضا الأمن الغذائي في القارة.

- الارهاب والصراعات:

أعرب المشاركون عن قلقهم إزاء الصراعات والإرهاب، وطالبوا باتخاذ إجراءات مشتركة لتعزيز الأمن ، باعتباره أحد العناصر الأساسية في العلاقات بين إفريقيا واليابان.

ومن المساهمة في تعزيز الأمن في القارة أعلنت اليابان أنها ستقدم دعمها الكامل لجهود الدول الأفريقية الرامية إلى تحقيق "أفريقيا خالية من الألغام" وذلك من خلال منصة "The Africa Mine Action Platform " التي انشأتها اليابان حديثاً بالتعاون مع دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) بهدف تبادل تقنيات وخبرات إزالة الألغام مع العاملين في مجال إزالة الألغام من الدول الأفريقية. يذكر أن اليابان تترأس الاجتماع الثاني والعشرين للدول الأطراف في اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد هذا العام [2].

- الشباب والابتكار:

تم التركيز بشكل خاص على الشباب والابتكار، حيث سيشكل المؤتمر منصة لإطلاق برنامج "توموني أفريقيا" ( Tomoni Africa) (معًا مع إفريقيا) لتعزيز التدريب والإبداع والتبادل بين الشباب الإفريقي والياباني.

- المرأة وبناء السلام:

حظى البعد الاجتماعي والأمني أيضًا بأهتمام القادة والمشاركين، حيث تسعى طوكيو لتعزيز دور القيادات النسائية في القرن الإفريقي بالتعاون مع الهيئة الحكومية للتنمية  (IGAD)، بهدف تعزيز الحوكمة وسيادة القانون، ومشاركة النساء في حل النزاعات ومكافحة التغير المناخي.

فقد ساهم الدعم الياباني للنساء النازحات في نيجيريا بالفعل في تحسين سبل معيشتهن وتعزيز تمكينهن، مما يعكس قناعة الحكومة اليابانية  بأهمية دور المرأة في بناء السلام المستدام ومراعاة النوع الاجتماعي.

وأثناء المؤتمر تم التوقيع على 300 اتفاقية تعاون بين اليابان وكيانات أفريقية بما في ذلك الإعلان عن عدد من المبادرات التي تعالج عدد من القضايا الهامة في بعض دول القارة منها [3]:

-        توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة اليابان والبنك الأفريقي للتنمية؛ لإطلاق المرحلة السادسة من اتفاقية المساعدات المعززة للقطاع الخاص (EPSA6)، من أجل تعبئة موارد مالية بقيمة 5.5 مليار دولار للفترة ٢٠٢٦ – ٢٠٢٨ [4].

-        إطلاق مبادرة الإبداع المشترك من أجل أجندة مشتركة لنيجيريا: "حل التحديات الاجتماعية وبناء المرونة الاقتصادية من خلال دعم الشركات الناشئة" (Solution of social challenges and building economic resilience by supporting startups) ، تعتزم اليابان من خلال هذه المبادرة تعزيز إجراءات التنمية الصناعية في نيجيريا بالتعاون مع الشركات الخاصة.

-        إطلاق مبادرة مع موزمبيق من أجل إعادة العمل في مشروع الغاز الذي توقف في عام 2021 . تهدف هذه المبادرة إلى تحقيق الاستقرار في مقاطعة مقاطعة كابو ديلجادو (Cabo Delgado) من أجل إعادة استئناف العمل مشروع الغاز الطبيعي في المقاطعة والذي يعد أكبر مشروع للغاز الطبيعي المسال في أفريقيا وذلك من خلال تعزيز نظام إنفاذ القانون وتعزيز إعادة الإعمار والتنمية، لضمان التشغيل المستقر لمشروع الغاز المسال وتحسين الوصول إلى الأسواق الدولية، بما في ذلك اليابان.

-        إنشاء مبادرة للتعاون الإقليمي من أجل أجندة مشتركة لموزمبيق وملاوي وزامبيا بعنوان "تعزيز سلسلة التوريد العالمية من خلال تطوير ممر ناكالا" (Strengthening the Global Supply Chain through Nacala Corridor Development)، والتي تم الإعلان عنها بمناسبة مؤتمر طوكيو الدولي التاسع للتنمية في أفريقيا (تيكاد 9).

-        تعزيز البحث المشترك بين الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا والجامعات في اليابان وأفريقيا، بهدف تطوير الجامعة لتصبح مركز إقليمي.

-        توقيع سبع اتفاقيات ثنائية بين انجولا واليابان في مجالات متعددة منها قطاع المياه والصحة والثقافة والبنية التحتية البحرية [5].

في الختام يمكن القول أن قمة تيكاد التاسعة تأتي في وقت تشتد فيه الازمات الاقتصادية العالمية حيث أثرت التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الامريكي دونالد ترامب على كافة دول العالم المتقدمة والنامية وبالتالي يبدو من الأهمية أن تسعى حكومات الدول إلى فتح أسواق جديدة وعقد شراكات جديدة من أجل حماية صناعاتها وخلق البدائل من أسواق وموردين للتعاطي مع مجريات الأحداث الجديدة في مجال التجارة الدولية. وفي هذا الإطار وبجانب رغبة اليابان في استمرار التيكاد ودوره الفاعل في مساعدة القارة الافريقية ودولها إلا انه يبدو حرص الحكومة اليابانية على توسيع وجود شركات بلادها وتيسير وتشجيع التعامل مع نظرائهم في القارة الافريقية سواء على مستوى القطاع العام أو الخاص ويتضح ذلك من الاتفاقات والمبادرات التي تمت أثناء المؤتمر، ففي كلمته في حفل الختام قال رئيس الوزراء الياباني أنه يأمل أن يكون مؤتمر تيكاد 9 شراكة أقوى بين اليابان وأفريقيا، مؤكدًا على أهمية العمل معًا لدعم الشعوب والصناعات.

المصادر:

[1]  الهيئة العامة للاستعلامات، المشاركة المصرية في مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية في أفريقيا "قمة تيكاد ٩":

https://goo.su/zk99S

[2] Parliamentary Vice-Minister for Foreign Affairs ERI’s Attendance at the TICAD 9 Thematic Event “Toward a Mine-Free Africa: Launch Event of the Africa Mine Action Platform”, https://www.mofa.go.jp/ic/ha_er/pageite_000001_01195.html

[4] Ninth Tokyo International Conference on African Development (TICAD9): Japan and African Development Bank sign agreement to extend Enhanced Private Sector Assistance for $5.5 billion sixth phase, https://goo.su/qIqrCe

[5] AAfrica: Ticad9 - 300 Japan-Africa Cooperation Agreements Signed, https://allafrica.com/stories/202508220161.html